أبو البركات بن الأنباري

225

الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين

على هذا فنذكر فساده في الجواب عن كلماتهم ، إن شاء اللّه تعالى . أما الجواب عن كلمات الكوفيين : أما احتجاجهم بقول الشاعر : * خلا أنّ العتاق من المطايا * [ 161 ] فنقول ؛ لا نسلم هاهنا أن الاستثناء وقع في أول الكلام ، فإن هذا الشعر لأبي زبيد ، وقبل هذا : إلى أن عرّسوا وأغبّ منهم * قريبا ما يحسّ له حسيس خلا أنّ العتاق من المطايا * حسين به فهنّ إليه شوس [ 161 ] وأما قول الآخر : وبلدة ليس بها طوريّ * ولا خلا الجنّ بها إنسيّ [ 162 ] فتقديره : وبلدة ليس بها طوريّ ولا إنسيّ خلا الجنّ ، فحذف إنسيّا ، فأضمر المستثنى منه ، وما أظهره تفسير لما أضمره ، وقيل : تقديره ولا بها إنسيّ خلا الجنّ ؛ ف « بها » مقدرة بعد « لا » وتقديم الاستثناء فيه للضرورة ؛ فلا يكون فيه حجّة . والذي يدل على صحة ما ذهبنا إليه أنه قد ضارع البدل . قولهم « لو كان الأمر كما زعمتم لوجب أنه لا يجوز تقديمه على المستثنى منه ، كما لا يجوز تقديم البدل على المبدل منه » قلنا : هذا فاسد ؛ لأن المستثنى لما تجاذبه شبهان : أحدهما كونه مفعولا ، والآخر كونه بدلا ؛ جعلت له منزلة متوسطة ، فجاز تقديمه على المستثنى منه ، ولم يجز تقديمه على الفعل الذي ينصبه ، عملا بكلا الشبهين ، على أن من العرب من يجوز البدل مع التقديم ، فيقول : ما جاءني إلا زيد أحد ؛ فيرفع على البدل مع تقديمه على المبدل منه « 1 » ؛ لأن هذا التقديم التقدير به التأخير ، وإن كانت اللغة الفصيحة العالية النصب ، واللّه أعلم .

--> ( 1 ) الشاهد عليه بيت حسان الذي رويناه لك في شرح الشاهد 163 .